عبد الشافى محمد عبد اللطيف

99

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الساحلي بين مكة والمدينة ؛ بهدف تهديد الطريق التجاري الرئيسي الذي تمر منه تجارة قريش . أمّا سريّة عبد اللّه بن جحش ، فقد شذّت عن هذه القاعدة ، فقد أمرت هذه السرية باستطلاع أخبار قريش من مكان قريب جدّا من مكة - وادي نخلة بين مكة والطائف - وهو اتجاه جديد في سياسة الحصار ضد قريش ، فها هو الخطر أصبح قريبا منها ، وفي عقر دارها . وقد أمّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن جحش على اثني عشر في رواية ابن سعد وعلى ثمانية في رواية ابن إسحاق ، وهي التي نثبتها هنا يقول ابن إسحاق : وبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى ، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد ، وكتب له كتابا ، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ، ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا . . . فلما سار عبد اللّه بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه : « إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصّد بها قريشا وتعلّم لنا من أخبارهم » فلما نظر عبد اللّه في الكتاب قال : سمعا وطاعة ، ثم قال لأصحابه : قد أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر ، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم ، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ، ومن كره ذلك فليرجع ، فأما أنا فماض لأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلّف عنه منهم أحد ، وسلك على الحجاز ، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له : بحران - أضلّ سعد بن أبي وقّاص وعتبة وابن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقيانه ، فتخلّفا عليه في طلبه . ومضى عبد اللّه بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي . . . وعثمان بن عبد اللّه بن المغيرة ، وأخوه نوفل المخزوميان ، والحكم بن كيسان ، مولى هشام بن الغيرة ، فلمّا رآهم القوم هابوهم ، وقد نزلوا قريبا منهم ، فأشرف لهم عكّاشة بن محصن ، وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه أمنوا وقالوا : عمّار لا بأس عليكم منهم ، وتشاور القوم فيهم ، وذلك في آخر يوم من رجب ، فقال القوم : واللّه لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به ، ولئن قتلتموهم لتقتلنّهم في الشهر الحرام ، فتردّد القوم ، وهابوا الإقدام عليهم ، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعلوا على قتل من قدروا عليه منهم ، وأخذ ما معهم ، فرمى واقد بن عبد اللّه التميمي